يعد الهيدروجين مصدرًا واعدًا للطاقة البديلة للوقود التقليدي، بما في ذلك الوقود الأحفوري، وكنتيجة حتمية ازداد الطلب على مصادر إنتاج الهيدروجين وارتفع عدد الأبحاث المنشورة التي تخص تقنيات إنتاجه ولكن الأهم من إنتاجه هو توليده بطرق آمنة وصديقة للبيئة. تتعدد تقنيات إنتاج الهيدروجين، غير أنها تستلزم وجود مواد حفازة ذات كفاءة عالية للحصول على منتجات ذات عائد اقتصادي ومجدي، إذ تلعب المحفزات دوراً جوهرياً في خفض طاقة التنشيط وتوجيه التفاعلات الكيميائية. في هذا المقال، نستعرض مفهوم الحفز والمواد الحفازة ودورها المحوري في تقنيات إنتاج وتخزين الهيدروجين.

1. مفهوم الحفز (Catalysis):

يعود مصطلح الحفز لسنة 1835 للميلاد على يد العالم السويدي برزيليوس (Berzelius) المشتق من اللغة الإغريقية (κατάλυση) والتي تعني التفكك أو التحلل. وفي عام 1894 وضع العالم أوستوالد (Ostwald) أول تعريف لعملية الحفز والذي ينص على أنها: "عملية تسريع للتفاعلات الكيميائية البطيئة عن طريق مادة غريبة"، يحدث الحفز عن طريق ارتباط المادة الحفازة مع المواد المتفاعلة لتكوين وسائط انتقالية دون أن تُستهلك المادة الحفازة في التفاعل النهائي" [1].

خلال القرن الماضي، أحدث مفهوم الحفز ثورة في عالم الصناعات والأوساط الأكاديمية، نظراً لأن غالبية التفاعلات الكيميائية في عمليات التصنيع تعتمد على وجود محفز واحد على الأقل. وتصنَّف المحفزات إلى أنواع رئيسية تشمل المحفزات المتجانسة والمحفزات غير المتجانسة والمحفزات الحيوية، كما هو موضح في الشكل (1)

gyxECe3ZicJ1dmruLHZf3xOA922i6uI3QTDjXA1a.png

شكل (1) - تصنيف أنواع المواد الحفازة.


2. المحفزات في تقنيات إنتاج الهيدروجين :

1.2. تكسير الميثان الحفزي :

هي عبارة عن عملية يتم فيها إنتاج الهيدروجين الخالي من أول اكسيد الكربون. وعلى الرغم من أن الهيدروجين الناتج من عملية التكسير هو هيدروجين نقي، إلا أنه لا يتم تطبيقه على نطاق صناعي واسع. ومع ذلك، فإن الطلب على الهيدروجين النقي يتزايد سنويًا سواء من حيث الكمية أو العدد بسبب التطبيقات التي تتطلب الهيدروجين الخالي من أول أكسيد الكربون. عادةً، تتطلب هذه العملية درجات حرارة عالية جداً. ولكن عند استعمال المحفزات المدعمة بالمعادن مثل النيكل والكوبالت والحديد والتي يتم ترسيبها على مواد داعمة مثل SiO2 أو Al2O3 تتم العملية عند درجات حرارة معتدلة، حيث يتحدد أداء المحفز بطبيعة المعدن النشط والركائز المدعمة [2].

2.2. إنتاج الهيدروجين من حمض الفورميك :

يُصنَّف حمض الفورميك من أنواع ناقلات الهيدروجين العضوية السائلة Liquid Organic Hydrogen Carriers والذي يتيح سهولة استخدام الهيدروجين عند الطلب. يتميز حمض الفورميك عن بقية الناقلات بقلة سميته، وانخفاض درجة حرارة التحلل الحفزي الخاصة به.  يوجد طريقتان لتحلل حمض الفورميك     وذلك إما بنزع الماء (التجفاف) Dehydration أو بنزع الهيدروجين Dehydrogenation [3]. من أنواع المحفزات المستعملة: الروثينيوم، الروديوم، الحديد وأيضا المحفزات القائمة على معدن البلاديوم المدعمة بمركبات كربونية.

3.2. توليد الهيدروجين من تحلل الأمونيا :

لتجاوز العقبات التي تزامنت مع توليد وتخزين الهيدروجين؛ استخدمت الأمونيا كمصدر للهيدروجين من خلال تقنية تحلل الأمونيا. يحدث التحلل عند درجة حرارة عالية وضغوط منخفضة. هناك إجماع علمي على أن الروثينيوم يُظهر نشاطاً حفزياً أعلى لهذا التفاعل [4].

(2NH3 (g)⇆ N2 (g) + 3H2 (g)  ; ΔH° = 92 kJ mol−1)

LUpnEs0ktfwrBxENDExmBAC4IvLknnYx6sha9dZR.png

شكل (2) - تحلل الأمونيا بواسطة الحفز.

4.2. مركبات البورون في إنتاج الهيدروجين: 

تتميز مركبات البورون بأنها غنية بالهيدروجين ومنها مركبات أمين البوران (NH3BH3) يمكن استخدامها لإنتاج الهيدروجين من خلال تفاعل التحلل المائي، ولأن أمين البوران شديد المقاومة للتحلل المائي في الظروف المحيطة، فهناك حاجة إلى محفزات نشطة ومستقرة لتسريع معدل التفاعل. يوجد أنواع مختلفة من المحفزات المستعملة في هذه التفاعلات ومنها المحفزات التي تتكون من المعادن الغير نبيلة مثل الكوبالت Co، الموليبدينوم Mo وغيرها. والمحفزات التي تتكون من مركبات المعادن مثل           بوريد الكوبالت Cobalt boride  Co-B ، وبالإضافة لأكاسيد المعادن الانتقالية مثل Co, Cu, CuCo, NiCo, and CuFe التي تُظهر نشاط حفزي ممتاز. تعتمد آلية التفاعل على امتزاز جزيء NH3BH3 على المراكز النشطة لسطح الجسيمات المعدنية لتكوين معقدات وسيطة، وعندها يهاجم جزيء H2O روابط B–N لكسرها، ينتج عن التحلل المائي للوسيط BH3 حمض البوريك وإطلاق غاز الهيدروجين H2. ولضمان معدلات تفاعل مرتفعة، يتطلب الأمر استخدام محفزات ذات مسامية عالية ومساحة سطحية كبيرة لكل جرام [5].

5.2. الأطر المعدنية العضوية (Metal-organic frameworks) :

نستعرض أيضاً في هذا المقال مثال على نوع من أنواع المواد المسامية والتي تستخدم كمواد محفزة وهي الأطر المعدنية العضوية (MOFs)، التي تتميز بمساحات سطحية كبيرة وتجاويف وفرص وافرة للاستفادة من أيونات معدنية غير مشبعة، تعمل كمحفزات غير متجانسة في مختلف أنواع التفاعلات. تشكلت هذه المركبات من تجميع الأيونات المعدنية مع الروابط العضوية، كما تفتح هذه المركبات آفاقاً واسعة في مجال معالجة التحديات البيئية بسبب الخصائص الفيزيائية والكيميائية الفريدة التي تتمتع بها. سنلقي نظرة على آخر التطورات في استخدام MOFs في مجموعة من التطبيقات البيئية الخضراء، بما في ذلك التقاط وتخزين ثاني أكسيد الكربون، وتخزين الطاقة المتجددة حيث تُمثّل عملية دمج إنتاج الهيدروجين مع التقاط ثاني أكسيد الكربون (CO2) الركيزة الأساسية لتخليق الوقود الأخضر، من خلال عمل المحفزات المتقدمة على تثبيت CO2 وهدرجته تحفيزياً للحد من الانبعاثات وتوفير مصادر طاقة خضراء بديلة. سنناقش أيضًا التحديات التي تواجه استخدام MOFs في هذه التطبيقات، بالإضافة إلى الفرص المستقبلية والتطبيقات الواسعة في مجال حماية البيئة والاستدامة [6].

cbfasRLLqszYUVQrbQLNXVDqRk3mrTZMvRfQu8TT.png

شكل (3) - آلية تشكيل الأُطر المعدنية العضوية (MOFs) من العُقد المعدنية والروابط العضوية.


3. التقاط وتخزين ثاني أكسيد الكربون  (Capturing and storing carbon dioxide) :

يُعتبر ثاني أكسيد الكربون  CO2واحد من الغازات الدفيئة الرئيسة التي تسهم في تغير المناخ والتلوث البيئي فأصبح امتصاص واستخدام هذا الغاز أمرًا حيويًا. ومن هنا يأتي دور الأطُر المعدنية العضوية (MOFs) التي تُظهر خصائص فريدة تجعلها مثالية لامتصاص وتحويل (CO2) إلى منتجات كيميائية قيمة مضافة يُمكن أن تسهم في الحفاظ على البيئة وتعزيز التنمية المستدامة. تتميز MOFs بخصائص كيميائية جذابة وسطوح داخلية كبيرة مما يجعلها مناسبة لهذه العملية. يمكن هندسة الـ MOFs للوصول إلى الامتصاص الفعّال لـ (CO2) من خلال إضافة المواقع المعدنية المفتوحة والتحكم في حجم المسام أو تنويع هياكلها.كما يمكن دمج MOFs مع مواد أخرى مثل الكربون المنشط لزيادة كفاءة امتصاص(CO2) وتحسين استقرار الأداء في ظروف رطبة [7, 8].

gwYYbFhLLLQ0UCNLASsE5yk4YOGs5kdY5yUarsB6.jpg

شكل (4) - التقاط ثاني أكسيد الكربون وتحويله تحفيزياً إلى منتجات كيميائية قيّمة.

4. تخزين الطاقة المتجددة (Renewable Energy Storage):

في الآونة الأخيرة بدأ العلماء بالاعتراف بكون الهيدروجين وقود مثالي لتخزين الطاقة المتجددة من مصادر مثل الشمس والرياح. ولكنهم واجهوا تحديًا كبيرًا في كيفية تخزين الهيدروجين بكفاءة واستخدامه كوقود في المركبات دون الحاجة إلى وعاء ضخم للتخزين. وفي حال تمّ استخدام طرق التخزين التقليدية للهيدروجين في وعاء كبير، سيؤدي ذلك إلى زيادة في تكلفة وحجم مركبات الهيدروجين. ومن هنا جاءت أهمية استحداث تقنيات مثل (MOFs)  التي تتميز بمساماتها الكبيرة والمساحة السطحية الهائلة التي تمتلكها مما يسمح من خزن كميات ضخمة من جزيئات غاز الهيدروجين  (H2)في حجوم صغيرة مما يُتيح تشغيل السيارات العاملة بالهيدروجين لفترات طويلة، وقطع مسافات تعادل تلك التي تقطعها السيارات التي تعمل بالبنزين.

7fwye36KPSvU6Aohnw579UuU83wg7uYVlUPPCrvP.jpg

شكل (5) - تخزين الطاقة المتجددة.

رغم الميزات الفريدة للأطر المعدنية العضوية  (MOFs) إلا أن هناك تحديات كبيرة في التطبيقات الخضراء، أهمها:

1. استقرار الـ MOFs: معظم الـ MOFs غير مستقرة في ظروف قاسية مثل درجات الحرارة العالية أو الوسط المائي أو البيئات الحمضية أو القلوية.

2. توسع أحجام المسام: لدى الـ MOFs مساحات صغيرة جداً، مما يعيق انتشار ووصول الجزيئات الكبيرة.

3.امتزاز الملوثات الغازية: دراسة امتزاز الـ MOFs للملوثات الغازية وتحسين أدائها في هذا الجانب [9].

4. تطوير تقنيات التصنيع: تقليل تكلفة إنتاج الـ MOFs وزيادة قدرتها على التكيف وتطوير تقنيات تصنيع أكثر كفاءة.

5. دراسة الجدوى التشغيلية: إجراء دراسات حول الجدوى التشغيلية لاستخدام الـ MOFs في التطبيقات الصناعية والتحقق من قدرتها على التكيف مع ظروف التشغيل الفعلية [10].

بالنظر إلى هذه التحديات، هناك حاجة إلى مزيد من البحث والتطوير لجعل استخدام الـ MOFs في التطبيقات البيئية أكثر نجاحًا وفاعلية في المستقبل.

في الختام، يمثل تخزين وإنتاج الهيدروجين باستخدام المحفزات تطوراً هاماً في مجال الطاقة والاستدامة، كما أنّ هذه التقنيات المبتكرة تفتح أفاقًا جديدة لاستخدام الهيدروجين كوسيلة نظيفة وفعالة لتلبية احتياجاتنا المستدامة للطاقة، كما نأمل أن نشهد تقدماً أكبر في مجال تخزين وإنتاج الهيدروجين في المستقبل بفضل الابتكارات في مجال المحفزات، مما يسهم في تحقيق تحول عالمي نحو الطاقة المستدامة والنظيفة.




كتابة وإعداد:  هدى الجدوع - غدير الصبحي

مراجعة وتدقيق : روان الزهراني- د. ضحى شوا

المراجع

  1.   Roduner, E. (2014). Understanding catalysis. Chemical Society Reviews, 43(24), 8226-8239.

  2. Amin, A. M., Croiset, E., & Epling, W. (2011). Review of methane catalytic cracking for hydrogen production. International Journal of Hydrogen Energy, 36(4), 2904-2935.

  3.   Navlani-García, M., Mori, K., Salinas-Torres, D., Kuwahara, Y., & Yamashita, H. (2019). New approaches toward the hydrogen production from formic acid dehydrogenation over Pd-based heterogeneous catalysts. Frontiers in Materials, 6, 44.

  4.   Lucentini, I., Casanovas, A., & Llorca, J. (2019). Catalytic ammonia decomposition for hydrogen production on Ni, Ru and NiRu supported on CeO2. International Journal of Hydrogen Energy, 44(25), 12693-12707.

  5.   Alpaydın, C. Y., Gülbay, S. K., & Colpan, C. O. (2020). A review on the catalysts used for hydrogen production from ammonia borane. International Journal of Hydrogen Energy, 45(5), 3414-3434.

  6.   Duan, C., Yu, Y., Xiao, J., Li, Y., Yang, P., Hu, F., & Xi, H. (2021). Recent advancements in metal–organic frameworks for green applications. Green Energy & Environment, 6(1), 33-49.

  7.   Al-Rowaili, F. N., Zahid, U., Onaizi, S., Khaled, M., Jamal, A., & AL-Mutairi, E. M. (2021). A review for Metal-Organic Frameworks (MOFs) utilization in capture and conversion of carbon dioxide into valuable products. Journal of CO2 Utilization, 53, 101715.

  8.   Di, Z., Qi, Y., Yu, X., & Hu, F. (2022). The Progress of Metal-Organic Framework for Boosting CO2 Conversion. Catalysts, 12(12), 1582.

  9.   Wen, M., Li, G., Liu, H., Chen, J., An, T., & Yamashita, H. (2019). Metal–organic framework-based nanomaterials for adsorption and photocatalytic degradation of gaseous pollutants: recent progress and challenges. Environmental Science: Nano, 6(4), 1006-1025.

  10.  Wu, Z., Li, Y., Zhang, C., Huang, X., Peng, B., & Wang, G. (2022). Recent advances in metal-organic-framework-based catalysts for thermocatalytic selective oxidation of organic substances. Chem Catalysis, 2(11), 2888-2921.

[11] Aljaddua, H. I., Alhumaimess, M. S., & Hassan, H. M. (2022). CaO nanoparticles incorporated metal organic framework (NH2-MIL-101) for Knoevenagel condensation reaction. Arabian Journal of Chemistry, 15(2), 103588.